إرث هواري بومدين في بناء المناهج التعليمية الجزائرية 1965-1978

تولّى الرئيس هواري بومدين مقاليد الحكم في التاسع عشر من شهر يونيو 1965، وكانت الجزائر حينها تعيش مرحلة تأسيس الدولة الوطنية بعد سنوات قليلة من الاستقلال. أولى النظام الجديد أهمية قصوى لقطاعي التعليم والتكوين، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء المجتمع الاشتراكي المنشود. شكّلت المناهج الدراسية أداة مركزية في تجسيد المشروع السياسي، إذ سعى صانعو القرار إلى تكوين جيل جديد يحمل القيم الوطنية والوعي الثوري. Ttwr Alktabt Al Rbyt Br Al Swr Tips.

تحفل الأرشيفات التربوية الجزائرية بكمّ وافر من الوثائق الصادرة خلال هذه الحقبة، بدءًا من الكتب القديمة التي استعملها التلاميذ والأساتذة، وصولًا إلى المجلات البيداغوجية المتخصصة والقرارات الرسمية للبرامج. وتُعدّ هذه المصادر مرجعًا لا غنى عنه لفهم كيف أُعيد رسم منظومة التعليم في الجزائر خلال ثلاثة عشر عامًا امتدّت من 1965 إلى 1978.

السياق التاريخي والإصلاح التربوي

حين استلم بومدين السلطة، كانت المدرسة الجزائرية لا تزال تحمل بصمات المنظومة الاستعمارية الفرنسية، وكان لزامًا على الدولة الفتية بناء جهاز تربوي وطني مستقل. شكّلت وزارة التربية الوطنية هيئات ولجانًا متخصصة لإعادة صياغة المناهج بما يعكس هوية الجزائر الجديدة. عُقدت ملتقيات وندوات وطنية لبحث سبل إصلاح التعليم، وكان من أبرزها الملتقيات الوطنية حول تطبيق المناهج في الأوساط الريفية والحضرية على حدّ سواء.

سعى المشروع التربوي الجديد إلى تحقيق أهداف متكاملة، أبرزها محو الأمية التي كانت واسعة الانتشار آنذاك، وتعميم التعليم الأساسي. وقد رُبطت المناهج بأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ عُدّت المدرسة مؤسسة تنشئة اجتماعية تُسهم في تكوين الإنسان الجزائري القادر على خدمة المشروع الاشتراكي. وعبّرت وثائق تلك الحقبة عن تصوّر متكامل للدور المحوري الذي يلعبه التعليم في البناء الوطني.

مجانية التعليم وبناء أساس إلزامي موحّد

من أبرز الإنجازات التشريعية في هذه المرحلة إصدار القانون التوجيهي للتربية الوطنية، الذي نصّ على مجانية التعليم وإلزاميته في المرحلة الأساسية. خُصّصت ميزانيات ضخمة لتمويل بناء المدارس وتجهيزها، وتدريب المعلمين عبر معاهد تكوين الأساتذة التي انتشرت في مختلف ولايات البلاد. وقد رافق ذلك إعادة هيكلة شاملة للمحتوى التعليمي بما يتناسب مع الفلسفة الجديدة. ركّزت المناهج على القيم الوطنية والوعي الثوري، مع الحفاظ على مستوى أكاديمي مناسب.

أحدث هذا التوجه حاجة ماسّة إلى إنتاج كتب مدرسية جديدة باللغة العربية في جميع المواد الدراسية. وقد أوكلت هذه المهمة إلى المؤسسات البيداغوجية المتخصصة، فظهرت إلى الوجود أجيال جديدة من الكتب المدرسية التي غطّت القراءة والرياضيات والعلوم الطبيعية. ولا يزال باحثون كثر يدرسون هذه الكتب باعتبارها شاهدًا على تحوّل جذري في المناهج الدراسية الجزائرية، إذ تعكس التوجّه نحو هوية ثقافية مستقلة ومتجذّرة في اللغة الوطنية.

التعريب وتوحيد اللغة في المقررات الدراسية

شكّل التعريب محورًا أساسيًا في سياسة التعليم خلال هذه الحقبة، إذ تعهّدت الدولة الجزائرية باستبدال اللغة الفرنسية باللغة العربية تدريجيًا في مختلف المستويات الدراسية. اكتمل تعريب التعليم الابتدائي مع نهاية السبعينيات، بينما استمرت المرحلة الثانوية في مسار تعريب متدرّج وفق برنامج محدّد. وقد رافق ذلك إعداد معاجم ومصطلحات علمية عربية جديدة لتدريس المواد العلمية والتقنية، وهو ما شكّل تحدّيًا حقيقيًا في غياب تراكم معرفي سابق في هذا الميدان.

أنتجت هذه السياسة كمًّا هائلًا من الكتب المدرسية باللغة العربية، كان لها أثرٌ بالغ في تطوير المحتوى التعليمي باللسان العربي. ويمكن للباحثين المهتمّين الاطلاع على تطوّر الكتب المدرسية الجزائرية من خلال متابعة تطوّر الكتب المدرسية في المصادر الرقمية المتاحة، مما يُعمّق الفهم المتخصص للمراحل التي مرّت بها صناعة الكتاب المدرسي. وقد أسهم هذا الإنتاج في تأسيس قاموس عربي موحّد في مجال البيداغوجيا.

التعليم التقني والتكوين المهني

لم تقتصر الإصلاحات على التعليم العام، بل شملت أيضًا تطوير التعليم التقني والتكوين المهني بما يخدم أهداف التصنيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي. أُسّست معاهد متخصصة في التكنولوجيا والعلوم التطبيقية، وأُعيد تنظيم الثانويات التقنية لاستيعاب أعداد أكبر من المتدرّبين. وقد رافق ذلك تحديث المعدات والبرامج التدريبية لتتلاءم مع متطلبات التنمية الوطنية.

سعت المناهج الجديدة في هذا المجال إلى الربط بين الدراسة النظرية والتطبيق الميداني، إذ أُدرجت حصص للتدريب المهني داخل المؤسسات الصناعية والفلاحية. وظهرت مجلات بيداغوجية متخصصة وثّقت هذه التجربة، مثل مجلة "التربية والتكوين" ودوريات أخرى صدرت عن المعاهد البيداغوجية، مما يدلّ على حيوية المشهد الفكري التربوي في تلك الفترة.

المجلات البيداغوجية والوثائق التاريخية

شهدت هذه الحقبة ازدهارًا ملحوظًا في إصدار المجلات البيداغوجية المتخصصة، التي كانت منتدى لتبادل الآراء والخبرات بين المعلمين والمفتشين. وثّقت هذه المجلات مسارات الإصلاح التربوي، ونشرت أبحاثًا حول طرائق التدريس ومحتوى المناهج الدراسية. وتُعدّ هذه الدوريات مصدرًا أساسيًا لكلّ باحث في تاريخ التربية الوطنية، إذ تعكس التوجّهات الفلسفية والبيداغوجية التي حكمت تلك المرحلة.

تحتضن الأرشيفات الرقمية مجموعة كبيرة من هذه الإصدارات، إلى جانب القرارات الوزارية والمناهج الموجّهة للأساتذة. ويمكن للباحثين الراغبين في دراسة المناهج التعليمية في تلك الحقبة الاطلاع على وثائق المناهج في المصادر الرقمية المتاحة، إذ تُتيح تجربة متماسكة ومنظّمة لاستكشاف الوثائق. وتُسهم هذه الأعمال في إحياء الذاكرة التربوية الجزائرية وإتاحتها للأجيال الجديدة.

تمثّل المكتبة الرقمية للكتب والمناهج الجزائرية كنزًا معرفيًا مفتوحًا أمام الباحثين والأساتذة والطلبة وكلّ مهتم بتاريخ التربية في الجزائر. ندعو كلّ من يحتفظ بوثائق تربوية عائدة إلى حقبة بومدين، سواء كانت كتبًا مدرسية قديمة أو برامج أو قرارات أو مجلات بيداغوجية، إلى المساهمة في إثراء هذا الأرشيف عبر مشاركاتكم القيّمة. فكلّ وثيقة تُضاف تُسهم في حفظ الذاكرة التربوية الجزائرية للأجيال القادمة، وتُتيح للباحثين فرصًا أوسع للبحث والتعمّق في فهم تجربة الجزائر التعليمية.